قصد بعبارة “التراث الثقافي غير المادي” الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات - وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية - التي تعتبرها الجماعات والمجموعات، وأحيانا الأفراد، جزءا من تراثهم الثقافي. وهذا التراث الثقافي غير المادي المتوارث جيلا عن جيل، تبدعه الجماعات والمجموعات من جديد بصورة مستمرة بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة وتاريخها، وهو ينمي لديها الإحساس بهويتها والشعور باستمراريتها، ويعزز من ثم احترام التنوع الثقافي والقدرة الإبداعية البشرية.

يشكل التراث الثقافي غير المادي عاملاً مهماً في الحفاظ على التنوع الثقافي في مواجهة العولمة المتزايدة . ففهم التراث الثقافي غير المادي للمجتمعات المحلية المختلفة يساعد في الحوار بين الثقافات ويشجع على الاحترام المتبادل لطريقة عيش الآخر. ولا تكمن أهمية التراث الثقافي غير المادي في مظهره الثقافي بحد ذاته وإنما في المعارف والمهارات الغنية التي تنقل عبره من جيل إلى آخر، والقيمة الاجتماعية والاقتصادية التي ينطوي عليها هذا النقل للمعارف تهم الأقليات مثلما تهم الكتل الاجتماعية الكبيرة، وتهم البلدان النامية مثلما تهم البلدان المتقدمة.

يشمل التراث الثقافي غير المادي ماينقل شفاهيا او يعبر عنه حركيا، كاللغات واللهجات والعادات والتقاليد والطقوس والمعتقدات والممارسات الشعبية والاحتفالات والأعياد الشعبية والدينية والمهن والحِرف والألعاب والأحاجي والألغاز والأمثال والحكايات الشعبية والأشعار المنقولة شفاهيا والغناء والموسيقى بأنواعها كالريفية والبدوية والعسكرية وفنون الاستعراض والرقص الشعبي كالدبكات على سبيل المثال لا الحصر .

"ولا تقتصر أشكال التراث الثقافي غير المادي على مظهر واحد بعينه، وكثير منها يتضمن عناصر من مجالات متعددة" .

 مثلاً طقساً من طقوس السحر، فقد يشمل هذا الطقس الموسيقى والرقص التقليديين والصلوات والأغاني والملابس والأشياء المقدسة، وكذلك الممارسات الطقوسية والاحتفالية والإحساس الحاد بالعالم الطبيعي ومعرفته . وعلى الشكل نفسه، تعد الاحتفالات تعبيرات  عن التراث الثقافي غير المادي، وتشمل الغناء والرقص والمسرح والولائم والتقاليد الشفهية ورواية الحكايات وعروض الفنون الحرفية والرياضة وغير ذلك من التسالي . ذلك أنّ الحدود بين المجالات مرنة جدا، وكثيراً ما تتباين بين مجموعة وأخرى . ويصعب، إن لم يكن في حكم المستحيل، فرض فئات صارمة من الخارج . فبينما يمكن لمجموعة ما أن تعتبر أشعارها الغنائية شكلاً من أشكال الطقوس، فإنّ مجموعة أخرى قد تفسرها باعتبارها من أصناف الغناء. وعلى الشاكلة نفسها، فإنّ ما يمكن لمجموعة ما أن تعتبره من أشكال «المسرح » فإنّ مجموعة أخرى قد تفسره بأنّه «رقص » في سياق ثقافي مختلف . وهناك أيضاً اختلافات في الحجم والنطاق، فقد تميز إحدى المجموعات بدقة بين أشكال التعبير بينما قد تراها مجموعة أخرى أجزاءً مختلفة من شكل واحد.

نظراً لأهمية هذا النوع من التراث فقد أولته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" عنايتها، بعد التوصيات التي قدمت لها عام 1989 لغرض حماية الثقافات التقليدية للشعوب في الوقت الذي كان التراث العالمي يتجه أساسا الى الجوانب المادية للثقافة .

وفي عام 2001، قامت اليونسكو بالتحقيق لدى الدول والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية بهدف تحديد مفهوم التراث اللامادي . وفي عام 2003 تبنت الدول الأعضاء في اليونسكو إتفاقية لصون او حماية التراث الثقافي ودخلت حيز التنفيذ في 20 من نيسان 2006 .

ووفقاً لهذه الإتفاقية فإنّ " التراث اللامادي أو التراث الحي هو المصدر الرئيسي للتنوع الثقافي، حيث ورد فيها تعريف له: يقصد بالتراث الثقافي اللامادي الممارسات والتمثلات والتعابير والمعارف والمهارات وكذا الآلات والأدوات والأشياء الاصطناعية والفضاءات الثقافية المرتبطة بها والتي تعترف بها الجماعات والمجموعات وإذا اقتضت الحال الأفراد باعتبارها جزءًا من تراثهم الثقافي . وهذا التراث الثقافي اللامادي ينتقل من جيل الى آخر، ويقع بعثه من جديد من قبل الجماعات والمجموعات طبقا لبيئتهم وتفاعلهم مع الطبيعة ومع تأريخهم، وهو يعطيهم الشعور بالهوية والاستمرارية، بما يسهم في تطوير احترام التنوع الثقـافي والإبداع الإنساني " 

تسعى هذه الاتفاقية إلى تحقيق الأهداف الآتية:

(أ‌) صون التراث الثقافي غير المادي .

(ب‌) احترام التراث الثقافي غير المادي للجماعات والمجموعات المعنية وللأفراد المعنيين .

(ج) التوعية على الصعيد المحلي والوطني والدولي بأهمية التراث الثقافي غير المادي وأهمية التقدير المتبادل لهذا التراث .

(د) التعاون الدولي والمساعدة الدولية .

تحدد الإتفاقية المجالات التي يتجلى فيها التراث الثقافي غير المادي بصفة خاصة، وهي:

(أ‌) التقاليد وأشكال التعبير الشفهي، بما في ذلك اللغة كواسطة للتعبير عن التراث الثقافي غير المادي .

(ب‌) فنون وتقاليد أداء العروض .

(جـ)الممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات .

(د) المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون .

(هـ) المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية .

توضح الإتفاقية أنّ المقصود من كلمة "الصون " التدابير الرامية إلى ضمان استدامة التراث الثقافي غير المادي، بما في ذلك تحديد هذا التراث وتوثيقه وإجراء البحوث بشأنه والمحافظة عليه وحمايته وتعزيزه وإبرازه ونقله، لا سيما عن طريق التعليم النظامي وغير النظامي، وإحياء مختلف جوانب هذا التراث