لمحة عن الحرف السورية التقليدية

تعد الحرف التقليدية من أهم المورثات الثقافية والحضارية المرتبطة بالفنون الإنسانية والتراث الثقافي التي تجمع بين الفن التشكيلي والجمال الرائع، وبين الثقافة والتاريخ الأصيل المستمر فهي إرث متجدد يرافق كل عصر لأنها تحمل البعد الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، وعليه فإن هذه الدراسة تضع المشكلات والاستراتيجيات المقترحة للنهوض بقطاع الحرف اليدوية السورية، بعد سبر نقاط القوة والضعف والأسس التي يجب التركيز عليها والانطلاق منها، لا سيما التأكيد على تحقيق الأهداف المنشودة عبر تضافر الجهود بين جميع المؤسسات الحكومية والأهلية والاجتماعية، انطلاقاً من الواجب الذي يقع على عاتق كل فرد سوري في الحفاظ على عبق الماضي والحاضر وربطه بالمستقبل.

الأهمية الاقتصادية والثقافية للحرف اليدوية السورية :

تعتبر الحرف اليدوية إحدى المجالات التي تساهم في حشد وتعبئة القوى العاملة الوطنية وتحسين مدى المشاركة في النشاط الاقتصادي، وذلك من أجل دفع عجلة الاقتصاد وتحقيق التنمية، وفي هذا السياق تعتبر إتاحة الفرصة لاستيعاب النساء العاملات أحد الوسائل الهامة لبلوغ ذلك الهدف، من خلال إمكانية إيجاد فرص عمل أكبر عن طريق تخصيص موارد أقل مقارنة بمتطلبات الصناعات الأخرى وقابليتها لاستيعاب وتشغيل أعداد كبيرة من القوى العاملة بمؤهلات تعليمية محددة، أما الأهمية الثقافية للحرف اليدوية فهي تنبع من أصالة المنتجات المحلية الفريدة والمتميزة بنكهتها التاريخية والإبداعية الرائعة، فضلاً عن كونها قطعاً عملية يفيد منها باستمرار، وينطلق منها عبق الماضي والحاضر لتكون شاهداً على الابداع.  

نظرة تاريخية وجغرافية على الحرف اليدوية السورية :

بدأت نشأة الحرف اليدوية مع الإنسان الأول الذي استوطن الأرض وركز همه على تأمين الغذاء واستمرار البقاء.. فاعتمد على الملاحظة التي شكلت مع الحاجات الضرورية لحياته أساس الاكتشاف التي عمقت المعرفة الأولية وحولت المكتشفات إلى منتجات حرفية شكلت فيما بعد قاعدة النمو والتطور.

ولأن سورية كانت منذ آلاف السنين موطن الإنسان الأول في مراحل تاريخية مختلفة، فقد كشفت كهوف جبال أريحا، ومعلولا، ووادي بردى الدليل القاطع على براعة السوريين في استخدام الحرفة عندما حفر الإنسان الصخر ليبني كهفاً يحميه ويوفر له المأوى، وكيف شق الطرق للوصول إلى منزله الجديد في أعالي الجبال وكيف تكيف مع محيطه وسخّر ما توفر لديه لخدمته وحمايته وغذائه.

وهكذا ذاع صيت أهل الشام بين الشعوب في مجال الحرف، فقبل 9000 سنة عرفت سورية صناعة الفخار والزجاج وتعدين المعادن وصقلها وسكبها، وعرفت الصناعات المعدنية، كالأدوات والأواني والأسلحة التقليدية اليدوية البسيطة وغيرها، كما عرفت صناعة الحلي والمجوهرات والمصاغات الثمينة، وتطورت صناعة الحياكة والغزل والنسيج، واشتهر «البروكار الشامي» والدامسكو الذي منح اسمه لأقدم عاصمة مأهولة في التاريخ «دمشق».

ومن هنا انتشرت حرف أهل الشام إلى كافة بقاع الأرض، حيث يذكر التاريخ أن سفن الفينيقيين الأولى عبرت البحار حاملة معها براعة السوريين حيث حلت في مدن المتوسط وغيرها.‏

ومع تطور الحياة ارتفع شأن الحرف السورية وشأن العاملين فيها فصارت لهم مكانة مرموقة بين الناس وانتشرت حرفتهم في الأسواق، كما أعطت الحرف اسمها لمن برع فيها، فصرنا أمام عائلات حملت اسم الحرفة مثل «النجار، الحجار، الحداد، الدهان، العقاد، الطرابيشي، البغجاتي، الحلواني، النقاش، الصابوني.. وغيرهم» وصار لكل حرفة شيخ يدعى «شيخ الكار»، وكانت تناط به مسؤولية إجازة الحرفيين لممارسة المهنة، وإلزامهم بمعايير مهنية وأخلاقية لم تكن مكتوبة بقدر ما باتت عرفاً يتعارف الكل عليه، والمخالفون يتحملون العقوبات الصارمة

مفهوم الحرفة :

 الحرفة هي المهنة أو العمل اليدوي الذي يمارسه شخص وحيد أو مشتركاً مع مجموعة قد تكون أفراد أسرته، أو مستعيناً بعمال أو صنّاع محترفين، أما الحرفة بالمفهوم الاجتماعي فهي مرادفة لمفهوم الأسرة أو الطائفة الحرفية من صنّاع أو تجّار أو فلاحين، فهي العلم والمهارة والمعرفة المكتسبة والابداع في تطبيق تقنية الانتاج ضمن قواعد العمل وتفاعل الاحساس الفني والانساني مع المادة وشكل المنتج، فمن خلال استخدام قوة العقل والجسد والاحساس ينتج الابداع الحرفي .

أما التعريف الرسمي للحرفي استناداً إلى المرسوم رقم /250/ الصادر في 13/10/1969 م فهو أن الحرفي من يعمل في إنتاج مواد، أو يقدّم خدمات حرفية معتمداً على جهده الشخصي وخبرته المهنية بصورة أساسية، مستعيناً بأفراد أسرته أو بعمال آخرين  على أن لا يزيد عدد العاملين في المنشأة عن تسعة عمّال.

تعاريف ومصطلحات :

الحرفة الوطنية : هي حرف ذات طابع وطني متأصل قديم. مثال : صناعة الفخار

الحرفة التراثية : هي الحرف المتوارثة من جيل إلى جيل آخر مثال : صناعة الزجاج

الحرفة اليدوية : تعتمد هذه الحرف على العمل اليدوي بالدرجة الأولى .

الحرفة التقليدية : هي حرفة ذات تقليد متداول بطريقة العمل وأسسه .

الحرفة الفنية : هي تحديث الحرف بتقنية فنية مبسطة .

الحرفة النسوية : هي أعمال يمكن إنجازها في المنزل وهي يدوية فنية بسيطة .

الثقافة الفنية : هي المعرفة التي تتناول الفنون والحضارات في التراث الانساني بشكل عام، والتراث الأصيل بشكل خاص مع الاهتمام بالاتجاهات الفنية والابداعات المعاصرة.

شيخ الكار : هو صاحب حرفة يدوية لها عمر زمني كبير وعمل يستلزم مساحات وآلية محددة وطريقة ومواد خاصة، ويكون عمله احترافي ويتفرّد به .

المعلم في الحرفة / المعلم – الأستاذ – الأسطة : هو الحرفي الذي يتصف بالمهارة اليدوية والخبرة الفنية الواسعة ويحظى بمكانة مرموقة في الطائفة الحرفية، وتكون هذه المرتبة هي حصيلة التميز والبراعة في النشاط الحرفي .

الصنّاع : هم العدد الأكبر من الحرفيين ويكونون على درجات متفاوتة في الابداع والاتقان وهم تحت إشراف المعلم الذين يعملون لديه أو يتدربون عنده .

الأ’جراء: هم الذين يعملون عند المعلم لاكتساب مهارات وخبرات الصنعة ويكون عملهم داخل الورشة وخارجها، ويعد الصنّاع قاعدة مهمة للعمالة الحرفية .