حرفة الدباغة

 

حرفة دباغة الجلود وتطورها:

لمحة تاريخية: قبل أن تكون حرفة، كانت كمثيلاتها من الأعمال الفطرية للإنسان الأول، وذلك بحكم حاجته الطبيعية إلى اللباس تماماً كحاجته الطبيعية إلى الغذاء والمأوى. حيث استخدم الإنسان البدائي جلود الحيوانات التي كان يصطادها لستر جلده بعد أن عرف تماسكها ومتانتها والدفء الذي تمنحه للجسم من دون معالجة أو حياكة. وقد تمكن من الاستفادة منها بأبسط معالجة ساعدته عليها الطبيعة نفسها، ذلك أن الجلود الحيوانية التي كانت تتخلّف عن الصيد سرعان ما كانت تجف بحرارة الشمس فيتلقفها الإنسان وسيلة جاهزة وهيّنة يدرأ بها عن نفسه ما كان يضنيه من تقلبات الطقس. وهناك معطيات قديمة تشير إلى استخدام الجلود غير المدبوغة.

أما عن بدايات معالجة الإنسان للجلود، فقد اتبع الإنسان البدائي طرائق بدائية لمعالجة الجلود قبل استخدامها، فعالجها بزيوت الأسماك أو بالتدخين، وعُثر على جلود معالجة بالزيت في بعض المقابر الفرعونية. وتتلخص أول طرائق دباغة الجلود عند بعض الأقوام القديمة بوضع طبقة من لحاء الشجر أو أوراقه أو الفواكه فوق الجلد الخام وإضافة الماء إليها، وكان ذلك يستغرق مدة طويلة. وعثر على بقايا ألبسة جلدية مخيطة في الكثير من مناطق آسيا وأوروبا وهي تدل على أن الإنسان استخدم الجلود المدبوغة منذ عصور ما قبل التاريخ.

معالجة الجلد والدباغة:

الدباغة: هي مجموعة العمليات التي تخضع لها الجلود الخام (الفروة) الهادفة إلى تثبيت الكولاجين في بنية الجلد، وذلك بمعالجة المركبات غير الكولاجينية فيه وجعل هذا الكولاجين مقاوماً لتغيرات العوامل الفيزيائية والكيميائية والحيوية.

ولا شك أن الدباغة مرت بمراحل تجريبية انتهت إلى أن تمسي حرفة متوارَثة لم تزل تمارس بشكلها القديم إلى اليوم إلى جانب ماتناولته الآلة بتقنياتها المعاصرة في المصانع الكبرى للدباغة وتصنيع الجلود. وسوف نستعرض الآن حرفة دباغة الجلود اليدوية.

مراحل دباغة الجلود:

تمر الجلود الخام في أثناء دباغتها بعدة مراحل أهمها:

أولاً: سلخ الجلود وحفظها: يعد الجلد المسلوخ عن الحيوان انعكاساً لحياته فإذا كان يعيش حياة قاسية فإن آثار الجروح والخدوش والدمامل والأمراض ستظهر على الجلد الخام وبالتالي ستؤثر في نوعية المنتج النهائي. ولحفظ الجلود الخام من التفسخ والتعفن قبل نقلها إلى المدابغ يتم اللجوء إلى عدد من الطرائق، منها التجفيف، إذ إن الفروة الجافة لا تتعفن ويمكن لها أن تعود إلى حالتها الطبيعية بعد النقع بالماء. ولكن الطريقة الأكثر شيوعاً هي طريقة التمليح التي تقسم إلى نوعين: التمليح الرطب والتمليح الجاف.

ثانياً: العمليات التحضيرية ما قبل الدباغة وتشمل:

1-  النقع: أول العمليات التحضيرية التي تجري في المدبغة هي نقع الفروة بالماء النقي والنظيف، وذلك للتخلص من الأملاح والدم والأوساخ ولإعادة الماء الذي فقده الجلد في أثناء التمليح والحفظ. حيث يؤتى بالجلد القريب العهد بالسلخ، وينقع بالماء أياماً تكفي للبدء بتنظيفها، يومين أو ثلاثة أيام فقط، وإن كان بعيد عهد منذ زمان طويل مملحاً أو مجففاً، ينقع من 8-10 أيام. وكان يتم نقعه سابقاً في دمشق في نهر أما الآن فيتم نقعه في أحواض كبيرة تملأ بالماء، فينقع فيها. ثم لا بد من رفعه من الماء كل يوم مرتين، ما دام منقوعاً، وحينئذ يكون قد لان، فيوضع على لوح من خشب أملس، على شكل نصف دائرة، ويتم تثبيته عليه حتى يتمكّن الحرفي من كشط اللحم عنه باستخدامه سكيناً جارفة ذات مقبضين تعرف بسكين الدباغة، يعمد بواسطتها إلى إزالة باطن الجلد وتنقيته حيث يكشط بها عن باطن الجلد ما التصق به من الأغشية والمواد الدهنية، وفي خلال ذلك ينعصر جانب عظيم من الماء الذي تشربه الجلد عند نقعه. وبعد الفراغ من تنظيفه كما تقدم، يرده إلى الماء ويبقيه 24 ساعة.  ثم يعاود العمل السابق (الكشط) حتى تتم نظافة الجلد من كل شائبة فيعمد إلى غسله للمرة الأخيرة غسلاً جيداً  وينشره على السيبة حتى يجف. ومنهم من يستغني عن هذه الأتعاب كلها بآلات حديثة خاصة وبذلك يوفر الوقت والجهد والتعب.

إذا ما رغب بإبقاء الصوف أو الوبر أو الشعر عمد إلى تنظيفها وتسريحها ليستثمر الجلد فرشاً كأي بساط صوفي أو سجادة، وفيما عدا ذلك فتأتي مرحلة التكليس ونزع الشعر.

2-   التكليس ونزع الشعر: وأما كيفية إزالة الشعر عن الجلد فيكون بواحدة من عمليات ثلاث، وذلك بعد تنظيف باطن الجلد كما ذكر:

الأولى: التعريق، والثانية: المعالجة بالكلس، والثالثة: المعالجة بالنّورة.

أ‌-   المعالجة بالتعريق: مخصوصة لإزالة الشعر عن الجلود السميكة، وذلك بأن تدلك بواطن الجلود ويوضع بعضها فوق بعض وبواطنها إلى الداخل وتوضع في صندوق، ويغلق عليها حتى تصعد رائحة النتن، فحينئذ ترفع من الصندوق ويزال عنها الشعر بسكين الدباغة بكل سهولة. ومنهم من يضعها في أحواض ويدير عليها ماءً بارداً من 6-12 ساعة حتى تلين فيزول الشعر عنها بدون أن يلحقها الفساد والنتن.

ب‌- المعالجة بالكلس: وهي أن يحفر حفرة صغيرة ويوضع فيها ماء الكلس، ثم تنقع الجلود فيه من 3-4 أسابيع. ولا بد من تحريكها أئناء ذلك.

ت‌-  وأما النّورة: وهي أخلاط من كبريت الزرنيخ والكلس على نسبة جزء واحد من الزرنيخ إلى 3 أجزاء من الكلس، فتعالج بها الجلود الرقيقة التي لا تحمل التعريق ولا الكلس، واستعمالها يكون بدلك الشعر بها حتى يلين، ويسهل نزعه، وبعدما يتم ذلك يغسل الجلد وينقع بالماء، ثم يسوى وتقص منه الأطراف كالرأس والرجلين وغيرهما، فلا يبقى للدبغ غير شيء واحد، وهو توريم الجلد لإزالة الكلس عنه، وجعله بحيث يسهل قبوله للدبغ، ويتم ذلك بنقع الجلود في ماء النخالة والشعير، وبغسلها جيداً بالماء بعد ذلك فتغلظ، وقد يغسلون الجلود التي تعالج بالتعريق بالماء فقط لتَرِمَ وتغلظ والأحسن أن تنقع في ماء النخالة والشعير. وقد يستعمل عوضاً عن ماء النخالة والشعير محلول قشر السنديان في ماء كثير حتى يحفظ فينقع الجلد فيه، ثم ينقل إلى محلول آخر أقوى منه، وذلك يقتضي من 12-14 يوم. وقديماً كان يستعمل براز الكلاب لذلك ولا سيما لتوريم جلود الغنم والماعز والعجول.. وبذلك يصبح الجلد مهيأً للدّبغ. (ص142 قاموس الصناعات الشامية).

ثالثاً: عمليات الدباغة:

لكل نوع من الجلود عدة طرائق للدباغة، ويتم اختيار الطريقة بحسب الهدف من استخدام المنتج النهائي.

الدباغة النباتية بالعفص النباتي: يستخرج من أوراق النباتات ولحاء الأشجار وجذورها والثمار وغيرها. والدباغة النباتية هي استبدال جزيئات الماء بجزيئات العفص. يكون الجلد الناتج متيناً وكثيفاً نسبياً وذا لون بني باهت ومعتم في ضوء النهار. يستخدم الجلد الناتج لصناعة نعال الأحذية والتنجيد وصناعة الحقائب وتبطين الأحذية وتجليد الكتب وصناعة الأحزمة.

الدباغة الزيتية: وهي طريقة قديمة جداً غالباً ما يستخدم فيها زيت كبد الحوت.

كما يستخدم حديثاً الدباغة الاصطناعية والدباغة المعدنية وذلك بعد دخول الآلة في عمليات الدباغة.