الفن الاسلامي كتراث

الفن العربي في ظل الإسلام :

هناك عدة تسميات أطلقها الغرب على الفن العربي الإسلامي منها الفن الشرقي – الفن المغربي وآخرون يطلقون عليه اسم الفن العربي والبعض الآخر الفن المحمدي , ولكن يبقى اسم الفن الإسلامي هو الأكثر تناسبا , لأنه يدل على الفن الذي انتشر في سائر الدول الإسلامية , ويجب أن نميز بين الفن العربي وغيره من الفنون كالفارسي – التركي – الهندي وغير ذلك , وقد كان الفن الإسلامي فنا موحدا في الشكل والمضمون والأسلوب ولكن ذلك لا يخلو من اختلافات بحسب الأقاليم والتقاليد و العصور لكل امة إسلامية , وقد ابتدأ الفن العربي الإسلامي على يد الأمويين الذين عرفوا بالزهد والتقشف وابتعدوا عن الترف و المبالغة , وانشأ الأمويين طراز أموي خالص سمي باسمهم استمدوه من الفنون السابقة في سوريا كالبيزنطي و المسيحي , وعندما دخل العصر العباسي ظهر طراز جديد وهو الطراز العباسي المتأثر بالفارسي ونشاهد قمة هذا الطراز في مدينة سامراء , ثم ما لبث أن تدهور الفن عندما ظهر الفاطميون في مصر عام 969م ليعود ويزدهر مجددا على يد الفاطميين في مصر و الشام , ومن ثم ظهر الاتابكة (نور الدين ) وفن الأيوبيين (صلاح الدين الأيوبي ) , وبين القرنين 13 – 16 نشا الطراز المملوكي الذي شهد ازدهار في عهد السلطان محمد بن قلاوون وذلك في مصر و الشام أيضا .

أما عندما أتى العثمانيين فقد اخذ الفن لديهم طابع بيزنطي وهذا ما يتجلى في تركيا خاصة , وفي الأندلس كان يوجد الطراز الأموي الذي انتقل من بلاد الشام إلى المغرب العربي , حيث حافظ الفن المغربي على سماته ولم يتأثر بالعباسي , وعندما توحدت الأندلس مع شمال إفريقيا على يد المرابطين ظهر طراز فني خاص بهم , ثم لحق بهم الموحدين وطرازهم الذين أكملوا فيه توحيد الطراز الأندلسي و المغربي , وبعد أن خرج العرب من الأندلس استمر فنهم تحت اسم المدجنين(*) .

وفي الشرق قام الطراز السلجوقي على أنقاض الطراز العباسي , ثم ظهر في إيران طرز قومية مستمدة من الطابع القومي الإيراني أهمها الطراز التيموري المغولي و الطراز الصفوي , أما في الهند فنجد أن الطراز هناك تأثر بالطراز الفارسي المغولي .

*- المدجنين : هم الصناع المسلمين اللذين عملوا في ظل حكم الأسبان المسيحيين , وقد مزج هؤلاء بين العناصر الزخرفية الإسلامية و القوطية حتى خرج فن جديد ذي تأثيرات إسلامية و مسيحية , أطلق عليه اسم الفن المدجن .

 

نشأة الفن الإسلامي و الحرف الفنية :

لم يكن للعرب في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فن خاص بهم , ولكن عندما فتح العرب سوريا و العراق ومصر و إيران اخذوا ما هو موجود في فنون البلاد الراقية التي وجدوها , وقد قام الخلفاء الأمويين الذين تولوا الحكم من سنة 611م إلى سنة 749 م بجلب مواد البناء واستقدام مهرة الصناع من شتى الولايات لإقامة المدن الجديدة وإنشاء القصور و المساجد و واستعانوا في بناء مساجد دمشق بعمال سوريين و بيزنطيين لتجميلها بالفسيفساء , ورحل كثيرون من الفنانين المصريين وتوجهوا إلى العمل في تعمير بيت المقدس ودمشق و مكة , واتبع العباسيون (749م– 945م ) هذا التقليد في جلب المواد و الصناع من مختلف الأقاليم , وبدا يتبلور أسلوب إسلامي ينمو تدريجيا أتى من مصدرين وهما الفن البيزنطي و الفن الساساني , حيث وجد المسلمون في الموضوعات الزخرفية المسيحية مصدرا هاما تم استخدامه في آثار العصر الإسلامي الأول .

هذا وقد شاع في العديد من كتب المؤرخين أن الفن الإسلامي قد قام على تقليد غيره من الفنون ولم يقوم على الابتكار , ولكن هذا الحكم سطحي ولا يستند إلى القيمة التراثية للفن الإسلامي و الأسس التي يقوم عليها , حيث تأثرت الفنون الإسلامية بجوهر العقيدة الإسلامية التي فرضها القران الكريم و السيرة النبوية  الشريفة , فأصبح هناك صياغة جديدة للفنون السابقة في المناطق الإسلامية العربية بعد أن تاطرت بالإسلام , اذا فقد كانت مبادئ الإسلام هي المساهم الأكبر في صياغة الفنون الإسلامية حتى أصبح لها شخصية مستقلة انفردت بها بين الفنون الكبرى .

أما بالنسبة للحرف الفنية فلم يكن عرب الجاهلية مهتمين بالحرف و الصنعة بل كانوا يعتبرونها  تخص العبيد حيث كانت الفنون التي ظهرت قبل الإسلام مقصورة على ما هو مرتبط بالديانة الوثنية , أما المسلمون فقد اهتموا بالحرف اليدوية و الصناعات بعد انتقال مركز الخلافة الإسلامية خارج الجزيرة العربية إلى الكوفة ثم إلى دمشق عام 661م , مما أدى إلى تمازج الحضارات وظهور مدارس فنية إسلامية و وكان لاختيار المسلمين دمشق سبب رئيسي لقيام فن إسلامي أول وظهور الطراز الأموي وهو أول مدارس الفن الإسلامي , وقد كان للفترة الأموية أهمية و اثر عميق في التاريخ الإسلامي.

ما هو معنى التراث ؟

قبل أن ندخل في صلب الحديث عن الفن الإسلامي كتراث ,يجب أن نوضح بداية معنى التراث :

يمكن أن يحمل التراث معنيين :إما انه يعني اثر الإسلام وفضله في ما وصل إليه الإنسان من تطور بكافة المظاهر , أو انه يعني اتصال الحضارات الأخرى مع الإسلام واتصال الإسلام بها  وكيف اثر الإسلام بالعالم المحيط به و الديانات غير الإسلامية ,أي أن التراث هو ما خلفه السلف للخلف من ماديات أو معنويات مهما كان نوعها و وبمعنى آخر هو كل ما ورثته امة و تركته من نتاج حضاري وفكري وهذا يشمل الإنتاج الأدبي و العلمي , ويعود ذلك إلى المعرفة الإنسانية للكتابة بأشكالها و أساليب التعبير بأنواعها الفني أو الفكري , وقد جاءت كلمة التراث في المعاجم اللغوية تحت اسم "ورث" وهو فعل ثلاثي معناه حصول المتأخر أي الخلف على إسهام مادي أو معنوي من الذين سبقوه أي من السلف مهما كان هذا السلف (قريب – والد – عصر – امة ) وإذا أردنا تعريف التراث العربي فهو ما كتب حصرا باللغة العربية و انتزع من أصلها و صلبها , وإذا كان التراث العربي قبل الإسلام هو المقصود فهذا يعني انه تراث بلغة قريش أو غيرها قيل الإسلام , حيث أن التراث العربي المكتوب و المسموع و المصنوع قبل الإسلام يمكن أن يعتبر مدخل للتراث الإسلامي , فلم يولد التراث الإسلامي من العدم  , حيث ساهم ما هو موجود قبل الإسلام في الحصول على تراث فني إسلامي أصبح كجزء من شخصية الإسلام و المجتمع الإسلامي , وهذا ما يقودنا إلى تعريف التراث العربي الإسلامي فهو التراث الذي يسجل بالعربية شرط أن يتخذ من الدين الإسلامي منهجا وطريقة و ويبنى على أسس إسلامية يعتمد فيها القران وأحاديث الرسول الكريم مرجعا لكل ما يقوم به المسلمين من خير ومنفعة للإسلام خاصة و الإنسانية عامة , وعليه فيكون التراث الإسلامي هو ما أنتجه المسلمون في كافة أصقاع الدولة الإسلامية سواء كانوا من العرب أو غير العرب .

الفن الإسلامي واقع و استمرارية :

لا بد من إلقاء الضوء على أهم الفنون الإسلامية التي أثرت في ما يتم إنتاجه في عصرنا الحالي , وهذا إن دل على شي فإنما يدل على تمسك الإنسان الحديث بتراثه الفني , وذلك بسبب الجمالية و التطور الذي وصل إليها التراث الفني في العصر الإسلامي ولنبدأ الحديث عن الخط , حيث يحتل الخط مكانة فريدة في مجال الكتابة وقد استند هذا الخط في العصر الإسلامي على الدين , وهذا ما جعله يرقى إلى مكانة بارزة أدت إلى تشكيل كتب ذو قيمة فنية رفيعة , فقد كانت الكتابة هي الوسيلة التي انتقلت من خلالها الكلمة التي أوحى الله تعالى بها إلى النبي محمد (ص) في القران لإيصالها إلى بني البشر , حيث استخدمت العربية كلغة للقران الكريم مما أدى إلى انتشارها في أصقاع البلاد الإسلامية, فبداية نشا الخط الكوفي المقرن الذي كتبت فيه المصاحف و النقوش المعمارية الأولى وذلك في القرن السابع , ثم أعقب ذلك الخط النسخي المائل الذي تطور في بغداد في القرن العاشر , وخط الثلث الشكلي الذي اخذ مكان الخط الكوفي وخاصة في النقوش الكتابية المعمارية , ثم ظهرت مجموعة من الخطوط التي تطورت عن الخطوط السابقة كخط التعليق و النستعليق الذي يكتب بشكل مائل وهذان الخطان قد تطورا في إيران في القرن الثاني عشر , أما في وقتنا الحالي فقد اكتشف الفنان الحديث أهمية العودة إلى تراثه العربي لكي يبحث عن العناصر التشكيلية و التجريدية والتي ساعدته على تقديم لوحة حديثة تعكس مضامين إنسانية ورؤية شاعرية عند الفنان المسلم القديم , حيث اكتشف الفنان الحالي أهمية الخط العربي وما يملكه من إمكانيات تعبيرية وزخرفيه و طباعيه , وهكذا برزت تجارب فنية عديدة في عصرنا الحالي تستخدم الخط على نطاق واسع ضمن لوحات حديثة , وخاصة في المناظر واللوحات الجدارية التي نراها حاليا في البيوت و الجوامع وغيرها , حيث نرى ضمن هذه اللوحات عملية إحياء للخطوط الإسلامية  بطريقة فنية متطورة معاصرة.

والآن ننتقل إلى الحديث عن الزخارف , حيث تنوعت الأشكال الزخرفية في العصر الإسلامي ونجد في أيامنا هذه الزخارف ما زالت تحتل مكانة مهمة و بارزة وخاصة لدى صانعي المنتجات الحديثة على اختلاف أنواعها  , حيث برع المسلمون في استخدام الزخارف الهندسية كالخطوط المتداخلة والأطباق النجمية و الدوائر و وقد أعطى المسلمون أهمية كبيرة للزخارف الهندسية لأنها طابقت المواصفات التي فرضها الدين الإسلامي , وقد كانت الدائرة أهم هذه الأشكال الهندسية حيث يمكن أن نستخرج منها أشكال عديدة مثل المسدس , المربع , المعشر , المثمن و المخمس ومن تداخل هذه الأشكال يتم ملئ الكثير من المساحات وبذلك نحصل على ما لا حصر له من الزخارف , وكان للزخارف الآدمية و الحيوانية و الكتابية نصيب من اهتمام المسلمين على الرغم من أنها كانت محدودة خوفا من عبادتها , ولكن مع تطور الفن الإسلامي انتشرت على نطاق واسع وتمثلت هذه الزخارف بالحشرات – الطيور – الحيوانات – الأسماك , وقد ضمت الرسوم الآدمية أوضاع جسم الإنسان في حركات مختلفة , أما الزخارف الكتابية فكما ذكرت سابقا تمثلت بالآيات القرآنية و الأحاديث و أسماء الحكام و المأثورات و الشعر , هذا وقد أكثر المسلمون من استخدام الزخارف النباتية المؤلفة من أوراق نباتات مختلفة و زهور منوعة مع تحويرها عن أصلها الطبيعي  أو أن تكون شبيهة بأصلها و لونها الطبيعي , وفي كثير من الأحيان تكون الزخرفة مؤلفة من مجموعة من العناصر النباتية التي تتداخل مع بعضها البعض وتتكرر بصورة منتظمة , وقد تكون هذه الزخرفة ثنائية أو ثلاثية الاتجاه , وما زالت عملية إحياء استخدام الزخارف الإسلامية تشاهد في المصنوعات الحديثة وذلك بما هو مأخوذ من صلب الزخارف الإسلامية لا سيما أن المسلمين قد اعتبروا رواد الفنون الزخرفية , لذلك فلم يجد الفنان الحديث أجمل من الزخارف الإسلامية لكي يزين فيها أعماله الفنية .

واعتبر الخزف أيضا من الفنون المهمة في الإسلام التي عاشت اعتبارا منذ القرن الثامن ازدهارا كبيرا وذلك على يد الأمويين اللذين استحضروا الإرث البيزنطي و المشرقي , ولكن ما لبثوا أن ادخلوا ابتكارات جديدة تمثلت بالخط كنوع جديد من الزخارف لتزيين الخزف , وفي القرن التاسع عشر تم ابتكار تقنيات جديدة وذلك في بغداد , حيث تم شي الخزف و استخدام الصلصال الناعم بطريقة مزدوجة , وتم شي الفخار بدرجة حرارة متباينة وأراد صناع الخزف العباسيون منافسة الخزافين الصينيين المستوردة منتجاتهم , فابتكروا تقنيات جديدة وطرق تزجيج مختلفة , وذلك يعني أن المسلمون قد عرفوا كيف يصنعون الخزف وكيف يزينوه بزخارف جميلة على الرغم من أن محاولاتهم الأولى اتصفت بالبساطة و الواقعية , إلا أنها جاءت تقليدية ومنذ آلاف السنين احتفظ الخزف بمكانته وطريقة صناعته وتعددت أساليب زخرفته وتلوينه , وكانت الزخرفة تتم إما بإضافة التزيينات بأشكال منفردة ومن ثم لصقها على كتلة التشكيل عن طريق ضغط الحواف , أو أنها كانت تتم بالتطعيم والذي يتم بلصق مواد تركيبية على الخزف كالأحجار الكريمة و الأصداف و عظام الحيوانات , وقد يزخرف الخزف باستخدام الألوان أو بطريقة الحز , حيث تحفر الزخرفة على سطح الآنية بوساطة أدوات  حادة مدببة دقيقة  , وبهذه الطريقة صنعت الأختام التي نلاحظ أن الإنسان الحديث قد اقتبس منها فكرة القوالب التي تستخدم في صناعة أقراص العيد و المعمول , وهذا ما يدل على تكرار تقليدي لما هو موجود في العصر الإسلامي ولو جاء الاستخدام مختلفا وهذا ما ينطبق على الزجاج أيضا , حيث اتبع الفنان الحديث طرق زخرفية هي امتداد للأساليب الإسلامية  , حيث نال الزجاج مكانة مرموقة في العصر الإسلامي  , وقد استخدم صانع الزجاج الأساليب القديمة التي كانت سائدة في تحضير المادة الزجاجية وطريقة صناعتها من السكب و التغطيس بواسطة قوالب إلى طريقة النفخ في أنبوب معدني أو فخاري  مع تزيين الزجاج بتقنيات و زخارف إسلامية بديعة , وبرع المسلمون في صناعة الأواني الزجاجية المموهة بالمينا من قناديل ومشكاوات و قمائم وكؤوس مطلية بالذهب و مزخرفة بتزيينات منوعة مع إدخال العديد من النقط و الأشكال العضوية و الهندسية المنتظمة و غير المنتظمة كرسوم النجوم و الشمس ويمكن أن نشاهد تقليدا لهذه الأواني الزجاجية في الأسواق حاليا.

وقد استمر الصناع الحاليون بإنتاج مصنوعات خشبية متنوعة مع استخدام عناصر زخرفية بديعة وجميلة , وفي العصر الإسلامي أنتج الفنانون كميات ضخمة من المشغولات و التحف الخشبية ومثل هذه المنتجات نراها حاليا في البيوت الشامية القديمة , حيث صنعت من أنواع مختلفة من الأخشاب , وقد احتفظت الزخارف على الخشب حاليا بعناصر الفن الإسلامي السابقة , فحاليا تتميز الزخرفة الخشبية باعتمادها على الحفر العميق و التلوين و التطعيم , واستخدمت هذه الأساليب في التزيينات الداخلية للعمارات الكبيرة و البيوت و دور العبادة , واشتهر السوريون بفنون الزخرفة و المشغولات الخشبية المأخوذة عن الفن الإسلامي وبرعوا في إبراز الأشكال المرسومة عن طريق تطعيم الخشب بمواد من عظام الحيوانات و الصدف المتعدد الألوان أو بالمعادن والأحجار الكريمة , اذا فان الفنان الحالي قد استمد النقوش و الزخارف الخشبية من التراث العربي الأصيل الذي تناغم مع جماليات الحضارة الإسلامية , وقد اعتمدت الزخرفة الخشبية على عناصر هندسية و نباتية و خطية و خاصة بعد استخدام الألوان بالريشة و الفرشاة  وهذا ما يقودنا إلى الحديث  عن الموزاييك الذي هو زخرفة هندسية على الخشب ومن الخشب وهي حرفة تقليدية أصيلة عمرها  مئة وخمسين عام ابتدأت عندما لاحظ شاب دمشقي وجود شجرة ليمون جافة في منطقة باب توما في دمشق , حيث أوصله ذلك إلى اكتشاف الموزاييك مستندا في ذلك على إيحاءات تشكيلية من فنون الزخرفة على الخشب الموجودة في العصر الإسلامي , ومن مشغولات هذه الحرفة : أثاث غرف النوم و الجلوس و الاستقبال – المكتبات – الطاولات والكراسي و العلب والخواتم و طاولات الزهر و البراويز , هذا و قد شهدت صناعة الحلي و المجوهرات تطورا كبيرا منذ القدم  في العصر الإسلامي حتى عصرنا الحالي حيث وصلت إلى أوجها لا سيما أن النساء الشرقيات يهتممن بالزينة و يضعون مصاغا بأشكال متنوعة مثل العقود المفردة و المزدوجة و أساور المعصم و العضد – خلاخل الأقدام و الخواتم – زينة العصابات و الزنانير , وقد أصبح الذهب و ارتداء المجوهرات حاليا عادة وتقليد سائد في المجتمع , وكان للفضة أيضا نصيب من الأهمية في العصر الإسلامي حيث صنع منه الملاعق و السكاكين – الصحون – الصواني – أكواب الماء وأقداح الشراب – العلب المزخرفة واشتهرت هذه المصنوعات في عصرنا الحالي و خاصة في مدينتي دمشق و حلب السوريتين حيث تصدر منتجات هاتين المحافظتين من الفضة إلى الدول الأوروبية و بعض الدول العربية . 

و بقيت المنسوجات تحتل المكانة الأهم في مجال الحرفة الفنية , وفي العصور الوسطى تم إنتاج مواد الصباغ و الخيوط الضرورية لتصنيع المنسوجات , وتم تلبية متطلبات النقل و التسويق واكتسبت المنسوجات أهمية كبيرة في المجتمع الإسلامي و خاصة ذلك الازدهار الذي شهدته صناعة المنسوجات في العصر الفاطمي , وقد حافظ الحرفيون على صناعة المنسوجات و ساعدهم في ذلك وفرة المواد و الأيدي العاملة و الطلب المتزايد على المنسوجات , وتظهر بصمة المنسوجات الإسلامية في عصرنا الحالي و خاصة في أسماء تلك المنسوجات حيث أن هناك الكثير من أسماء الأقمشة التي اشتقت من أماكن التصنيع أو معامل القماش وبقيت محتفظة بتلك الأسماء حتى هذا اليوم , وعليه فان قماش الدامسكو ينسب إلى العاصمة السورية (دمشق) وموسلين ينسب إلى مدينة (الموصل) في العراق وهناك كلمات أخرى حرفت من العربية أو الفارسية مثل الموهير المشتقة من كلمة المحير العربية و تافت المشتقة من فعل تفتان الفارسي ويعني (غزل) , وهناك الاغباني المأخوذ من اسم الزنار الفارسي أو الهندي ,أما المعادن فقد حظيت بتقدير ومكانة مهمة في العصر الإسلامي و استخدمت الأواني المعدنية الجميلة في المنازل وصنع منها الأسلحة المزينة برموز تعبر عن المستوى الحياتي العالي , ونرى في العصر الإسلامي التحريم الذي كان يمنع استخدام المعادن الثمينة , حيث انذر القران الكريم بنار جهنم الذين يكتنزون المعادن الثمينة لملكهم الشخصي ولا يستخدموها لفائدة المجتمع الإسلامي وقد ساعد على ذلك أسباب عديدة منها امتناع الإسلام عن تقديم أدوات جنائزية و طقسية ومن جهة أخرى أعيد صهر و استخدام القطع المعدنية القديمة وجرى تصنيعها مرة أخرى وفقا للطراز الإسلامي , وعلى الرغم من ذلك فنلاحظ أن الأعمال الفنية المعدنية الإسلامية كثيرة التنوع منها سرج الزيت التي تستخدم للإنارة ومباخر ومرايا برونزية – أطباق مائدة – أحواض شراب وأواني للغسل على شكل حيوانات بالإضافة إلى محابر و مقالم , وكان البرونز المادة الأكثر أهمية والأكثر استخداما ونلاحظ استمرار ذلك في عصرنا الحالي حيث يصنع حاليا من كل أنواع المعادن شمعدانات – نواقيس آلات موسيقية وتحف فنية عديدة وهذا ما نراه في سوق (العريان ) في محافظة حلب السورية , حيث يحوي هذا السوق على مشغولات النحاس المطروقة أو المسكوبة ونشاهد عليها نقوش متنوعة تذكرنا بما كان سائدا في العصر الإسلامي .  

ولا يمكن أن نغفل عن ذكر صناعة السجاد , حيث ازدهرت صناعته منذ قيام الدولة الأموية في دمشق , وقد صنع السجاد الدمشقي من خيوط الصوف و الحرير ثم بدا يدخل تأثير أسلوب جديد في صناعة السجاد في عهد السلاجقة و الأتراك , حيث تأسست مراكز فنية مهمة في تاريخ الحضارة , ومن ثم ازدهرت صناعة السجاد في العصر المملوكي و أصبح هناك مشاغل ولكن كان للسجاد الدمشقي النصيب الأكبر في القرن السادس عشر حيث اشتهر على مستوى عالمي حتى انتقلت طرق صناعة و زخرفة السجاد الدمشقي إلى الأندلس , وقد عرف السجاد الدمشقي في سجلات الأسر الراقية و العريقة حيث جسد السجاد الدمشقي قمة البهاء و الرونق في العصر الإسلامي , ولا يزال السجاد حاليا وخاصة السوري منه متمسكا بتراثه القديم , حيث نجد في زخارفه رحلة ممتعة في عالم الفن الجميل تبدأ من العصر الإسلامي  وتنتهي في يومنا الحالي

ونلاحظ أيضا أن الفسيفساء قد ازدهرت مع توفر الحرفيين البارعين في هذه الحرفة وتوفر المواد اللازمة وهذا ما نراه في زخرفة جدران الأبنية الحديثة بما هو مستمد من الفسيفساء الإسلامية  ومنذ العصر الروماني ارتبط فن الفسيفساء و الزخارف الجصية بفن العمارة وبرز بشكل أوضح في العصر البيزنطي , وفي العهد الإسلامي استرجع الأمويين التراث الجمالي و الفكري و الفلسفي المتمثل بالفسيفساء من بلاد الشام وصنعوا فسيفساء تحوي أنماطا حيوانية ونباتية وهندسية تعبر عن النمط السائد في الحياة اليومية , حيث كان للفنان الأموي الفضل في تطوير هذا الفن و إدخاله و استخدامه في تغطية الجدران و التركيز على الرمزية و الواقعية بما يتوافق مع الاحتياجات و المتطلبات المراد تلبيتها, وقد كانت الموضوعات في لوحات الفسيفساء حسب الغرض منها و المكان الذي تزينه وتكون إما كبيرة أو صغيرة على شكل أيقونات , ولا بد من الإشارة أن هذه الحرفة قديما و حاليا تحتاج إلى قدرة إبداعية كبيرة من حيث اختيار الموضوع وتوفير المواد اللازمة لتشكيلها كالمكعبات الحجرية أو الزجاجية الملونة و يستخدم أيضا الفخار – الجص – الخشب – الصدف وغيرها .

اثر الإسلام :

لقد وضع الإسلام تأثيره في العديد من المجالات نبدأها بالفن , حيث طور العرب حضارتهم حتى وصلوا إلى مجال الإبداع الفني , وقد لعب الفن دورا هاما بدخوله إلى جميع مظاهر الحياة وخاصة العمارة , ولا يزال الجامع الأموي في دمشق مثالا حيا يتحدث عن العمارة الإسلامية في بداية عهدها وهذا ما يظهر أيضا في قصر المشتى والحير و قصر عمرة ومدينة سامراء , ويبدو ذلك بوضوح في قصر الحمراء في غرناطة والمسجد الكبير في قرطبة و الأزهر في القاهرة   أما بالنسبة إلى النحت فانه محصور ضمن حدود التزيينات المعمارية التجريدية بما يتناسب مع مبادئ الإسلام , وقد برع الفنانون المسلمون بانجازها بدقة وهذا ما نراه في المقاعد الخشبية و الأبواب بما تحويه من تزيينات تظهر فن رائع في الحفر على الخشب و العاج و العظم غلف به القران و المرصعات السورية المحفورة وهذا ما يظهر أيضا في براعة كسوة الفسيفساء و الإضاءة بأواني الزجاج المموهة بالمينا , وعليه فان دراسة فن العمارة الحديثة في القرن العشرين تظهر لنا أن الفن الإسلامي قد ساهم في تحديد شخصية الكثير من الفنون الأخرى , على الرغم من أن ذلك جعل من الفن الإسلامي فنا عالميا في عصرنا الحديث الحالي , حيث أن الإسلام قد قدم تراث ثقافي كان له الأثر الأكبر في تطور الغرب إلى يومنا هذا , ففي البداية كانت العصور الغربية الوسطى تنظر إلى الإسلام وانتشاره نظرة على انه تمزقا شيطانيا في صدر الكنيسة التي لم يكن قد مر زمن طويل على انتصارها ضد الوثنية , وبما أن السمة الأساسية لرسالة محمد (ص) كانت مبدأ التوحيد , فقد كان ذلك يتعارض مع مبدأ تعدد الآلهة الموجود لدى الغرب , ومع مرور الزمن أصبح الإسلام هو المسيطر وحجب تلك المبادئ في مشاعر العالم المسيحي و أحكامه , وتحددت هوية مؤسس العقيدة الجديدة القائمة على النبوة و الرسالة , وهكذا انتصر الإسلام في مرحلته الأولى مما أدى إلى إقامة إمبراطورية إسلامية كبيرة ضمن قواعد محددة , جعلت الفن الإسلامي ملتزما بتلك القواعد ثم ما لبث الغربيون حتى دخلوا في الدين الجديد و أخذت فنونهم تسير وفقا للطابع الفني الإسلامي .

ويجدر بنا إلقاء الضوء على اثر الإسلام في الحياة الاجتماعية بشكل عام حيث تؤثر الحياة الاجتماعية على الإبداعات الفنية بشكل كبير , فقد كان للإسلام اثر في العادات و التقاليد في كل المناطق التي ساد بها الدين الإسلامي ولنأخذ على سبيل المثال اسبانيا المسيحية , حيث ظهر اثر الإسلام بشكل واضح و يتجلى ذلك في منع الحمامات في اسبانيا لأسباب أخلاقية و دينية وتحويلها إلى أماكن لتغسيل الموتى , ومن حجاب النساء إلى عادة الجلوس على الأرض , مما أدى إلى ازدهار صناعة أغطية الرأس النسائية و البسط و الوسائد , كذلك انتشرت عبارات المجاملات و الفروسية و إكرام الضيف التي تعتبر من الأمور المميزة اليوم , وعادة تقبيل اليدين و الترحيب و التمنيات الطيبة التي تتضمن اسم الله و العبارات المستعملة في طلب الصدقة الاعتذار عن تلبية الطلبات , كل هذه العادات السابقة التي أتى بها الإسلام كونت مجتمع يسود فيه الاحترام والذوق الفني في اختيار ما يتناسب مع متطلبات الدين الجديد , كما أدى انتشار الإسلام في اسبانيا إلى جعل اللباس المغربي و خاصة النسائي هو المفضل , لذلك فقد ازدهرت صناعة المنسوجات وفق الطراز الإسلامي وكان يشاهد لدى الطبقات الاجتماعية , وكل هذه العوامل تظهر تعريب العادات الاسبانية وأسلمتها قبل أن تنتهي السيطرة الإسلامية وهذا ما انعكس على ازدهار الفنون كما رأينا , وقد ظهر تأثير الإسلام في التنظيم الاجتماعي و المهني حيث نشا نظام يختص بالحرف منذ القدم وقد ظهر هذا النظام بشكل جلي في العصر العثماني واعتبر ذلك كنوع من إنشاء علاقات ترابط تسهم في بنية التكوين الاجتماعي , حيث ساعد النظام الحرفي على نشوء مجتمع حرفي منظم يعتمد على المهارة اليدوية كمعيار أساسي للترقي في الفنون  فظهر منصب شيخ الطائفة ويكون هذا الشخص ذو مكانة اجتماعية أو دينية هامة وكان يترأس التحكيم داخل الطائفة الحرفية و يهتم في شؤون الحرفة و الحرفيين وهو ما يقابله شيخ الكار في عصرنا الحالي , وأيضا ظهر المعلم في الحرفة الذي يتصف بالمهارة اليدوية و الخبرة الفنية الواسعة و يحظى بمكانة مرموقة بين أبناء الطائفة الحرفية وهو ما يقابله حاليا المعلم أو الأستاذ أو الاسطة , وكان هناك الصناع وهم تحت إشراف معلم الحرفة بالإضافة إلى الأجراء  , وهؤلاء الحرفيين هم من قاموا بصناعة الأعمال الفنية و الإشراف عليها في العصر الإسلامي وحتى عصرنا الحالي وما زالت هذه الأسماء و المناصب موجودة حتى الآن مما يدل على استمرار التراث الإسلامي ليس فقط في الفنون وإنما في التنظيم المهني و الاجتماعي لهذه الفنون

وقبل أن أتحدث عن اثر الفنون الإسلامية في الفنون الغربية سأتكلم أولا عن تأثر الفن الإسلامي بغيره من الفنون , حيث تأثرت الفنون الإسلامية بالفن الساساني و البيزنطي والقبطي و الصيني  ولكن بعد أن ازدهر الفن الإسلامي أصبح هو يؤثر في الفن الأوروبي كما سنرى لاحقا , ويتجلى تأثر الإسلام بالفنون السابقة بما أخذه عن هذه الفنون من زخارف مسيحية شرقية التي نراها محفورة على العاج و المجوهرات وهي مشابهة للحشوات العاجية التي تزين كرسي الأسقف ماكسيميان في رافنا , وقد حليت بفروع العنب و أشكال الحيوانات و الطيور وتبدو الزخارف مفرغة وقد كثر هذا الأسلوب في صناعة المجوهرات في القرنين الخامس و السادس الميلادي.

وبالمقابل نجد أن الأوروبيون قد استمدوا مجموعة من الأفكار الموجودة في العصر الإسلامي فيما يخص الفن , حيث قلد الأوروبيون الكتابات الكوفية و استخدموها في الزخرفة مثال : صليب ايرلندي من البرونز يعود للقرن التاسع الميلادي موجود في المتحف البريطاني نلاحظ انه مزخرف بعبارة كوفية وهي ( بسم الله ) , وهناك قطع من عملات أوروبية عليها كتابات كوفية لعلها صنعت لتسهيل التعامل مع المسلمين و وعلى الرغم من أن الغربيون لم يكونوا يعرفون معنى هذه الكلمات إلا أنهم استخدموها في الزخرفة ولا نشاهد مثل هذه العبارات الإسلامية على العمائر المسيحية , وكان للخزف الإسلامي دور كبير في تطور صناعة الخزف في أوروبا وذلك عن طريق الأندلس الإسلامية التي ازدهر بها الخزف ذي البريق المعدني , وقد نقل الأوروبيون العديد من الرسوم التي لم تكن معروفة في الغرب كرسم الوردة الآتية من الشرق الأدنى , وقلد الأوربيون التحف الإسلامية المعدنية وذلك لما لاقته من إقبال و رواج في أوروبا وهذا ما نراه في التحف الزجاجية أيضا ولا سيما تلك المموهة بالمينا , ونرى مثل هذه التحف المقلدة في البندقية حيث انتشرت منها إلى باقي أنحاء المدن الأوروبية , ويظهر اثر المسلمين في فنون البلاد الغربية في مجال نقش الخشب و زخرفته وتطعيمه , واشتهرت المنسوجات الإسلامية في العصور الوسطى كما ذكرنا في مثال اسبانيا المسيحية  , وحملت هذه المنسوجات أسماء شرقية حيث أنشا التجار كثير من المصانع لصنع المنسوجات ظلت عامرة حتى بعد أن زال سلطان المسلمين , فقد تعلم الايطاليون أسرار النسيج الإسلامي و قلدوه حتى أصبح من العسير التمييز بين منتجاتهم ومنتجات المسلمين 

و يظهر التأثير الشرقي في زخارف  الخيام حيث نقلها البولنديون عن إيران و أنشأت مصانع للنسيج مهمتها تقليد الأنسجة الشرقية وخاصة الإيرانية والتركية وأنتجت هذه المصانع الديباج و السجاد وسائر المنتجات الثمينة وقلد البولنديون الأحزمة الشرقية الحريرية التي كانت جزء هام من لباس النبلاء التقليدي و قد امتازت الأحزمة المصنوعة في بولندا بزخرفتها النباتية والهندسية المتتابعة بشكل أشرطة وفي طرف الحزام نجد زخرفتين متشابهتين في أغلب الأحيان من رسوم زهر القرنفل , وأيضا كان للسجاد نصيب فيما وصل إليه الأوروبيون في صناعة سجاجيدهم حيث اخذوا صناعته عن المسلمين واحتفظوا بالأساليب والزخارف الشرقية لمدة طويلة  مما يدل على أن الموضوعات الزخرفية الإسلامية كان لها أثر كبير فيما وصل إليه الأوروبيون في الزخارف الأوروبية و ذلك عن طريق المدجنون في المدن الايطالية لاسيما في البندقية

وتنتقل الآن للحديث عن فن العمارة الإسلامية الذي اثر بشكل واضح في العمارة الأوروبية وهذا ما نراه في جنوب فرنسا وايطاليا , حيث بقيت الأساليب الإسلامية باقية في اسبانيا بفرعيها التصميمي و الزخرفي وذلك حتى عصر النهضة حيث قام المدجنون بحفظها حتى بعد أن زال سلطان المسلمين عن الأندلس  ,وقد اهتم الفنانون في أوروبا بدراسة العناصر الزخرفية الإسلامية منذ القرن السادس عشر وقد أثر الفنانين الشرقيين الإسلاميين على فن التصوير في فرنسا بعد أن تعرف الفرنسيون على الشرق أثناء حملة نابليون على مصر وحرب استقلال اليونان حيث أعجب الحكام والفنانون الغربيون بالحضارة الإسلامية فتأثروا بالعمارة و الزخارف على حد سواء ولم يكن هذا التبادل الحضاري غريب حيث أن الأوروبيون اتصلوا بالعالم الإسلامي بعدة طرق منها الطرق التجارية وبفضل مشاهدات الحجاج المسيحيين وما كانوا يحملونه إلى أوروبا من تذكارات فنية بالإضافة إلى الحروب التي قامت بين الشرق والغرب

ومن أهم المظاهر التي يتجلى فيها أثر فن العمارة الإسلامية على العمارة الأوروبية ما أخذه الصليبيون من الأساليب المعمارية الموجودة في قلاع سورية ومصر كالمشربيات وهي عبارة عن دعائم قريبة من بعضها البعض تحمل فوقها حواجز بارزة وبين كل دعامتين يوجد فتحة مغلقة بباب يمكن أن تصوب من خلاله السهام أو يوضع تحتها ألغام ويمكن من خلالها صب الزيت أو الماء المغلي على الأعداء وأيضا يتجلى التأثير الإسلامي في المدخل الذي يصل بين باب القلعة وداخلها حيث جاء على شكل زاوية قائمة وأحيانا جعل هذا المدخل ملتويا ليصعب وصول العدو إلى باب القلعة وجعله حائلا دون رؤية الفناء الداخلي ,  و اقتبس الأوروبيون أيضا إنشاء المراقب على الأسوار والأبراج و الكرانيش حيث شيد النورمانديين في صقلية عمائر ظهرت فنها تأثيرات إسلامية واضحة في القباب والعقود والأعمدة والزخارف و كل ذلك كان بعد أن زال سلطان المسلمين عن صقلية وقد صممت المآذن على نمط ما هو موجود في مساجد العصر المملوكي في مصر والشام و أخذ الغرب عن الإسلام مجموعة من الزخارف البنائية التي نشاهدها على عمائرهم بشكل بارز قليلا وأسموها ارابيسك كالتسمية الإسلامية  , وأعجب الايطاليون بالعمارة في العصر المملوكي حيث اقتبسوا عنها فكرة تتابع طبقات أفقية من أحجار زاهية اللون و أخرى قاتمة ويظهر ذلك في الواجهات الرخامية التي شيدوها في مبانيهم  , وفي جنوب فرنسا يمكن أن نشاهد الطابع الإسلامي في العقود المتعددة الفصوص وفي الزخارف المأخوذة من كتابات كوفية و زخارف قوامها جدائل و سعف نخيل , ونشاهد أيضا عقود ذات فصوص ملونة , وفي بولندا أيضا نرى استعمال المقرنصات و زخارف الارابيسك و أوراق الشجر الثلاثية الفصوص التي شاع استعمالها في العصر الإسلامي , وينسب مؤرخي الفنون اختراع العقود المدببة و الستينية إلى البنائين المسلمين , كما يؤكدون على أن العمارة القوطية قد أخذت استخدام الزخارف الحجرية التي تملا الشبابيك و يركب منها الزجاج عن المسلمين .

اذا فكل ما سبق يؤكد لنا أن الفن الإسلامي بشقيه الزخرفي  التطبيقي و المعماري  شكل تراث مهم استمدت منه الحضارة الغربية أفكارها وكان اله الأثر الأكبر في ما وصلت إليه الحضارة الغربية من تطور و ازدهار 

ولنوضح بشكل اكبر ما كنت أتحدث عنه نأخذ مثالا آخر يظهر اثر فن العمارة الإسلامية على فن العمارة الغربية /ولكن الحديثة منها/ , وقد اخترت لتوضيح هذه الفكرة أبراج بتروناس الواقعة في ماليزيا و تحديدا في مدينة كوالالامبور , حيث تم استيحاء شكل بناء هذه الأبراج العظيمة من نماذج إسلامية بأسلوب بسيط مبتكر , حيث اعتمد تصميم المشروع على تصور شكلين مربعين متداخلين يشكلان نجمة ثمانية الرؤوس وهو نمط أساسي كان سائدا في تصميم الوحدات الزخرفية الإسلامية وفي الفن الإسلامي عموما , حيث أصبح هذا البناء أيقونة رمزية تعبر عن تطور المجتمع الماليزي المعاصر بما استوحاه من التراث الإسلامي , حيث يظهر    التشابه الكبير في الشكل المعماري بين أبراج بتروناس و مسجد دلهي الكبير في الهند مما يدل على أن فكرة بناء أبراج بتروناس قد أتت من أصل إسلامي لا محالة

نتائج وخاتمة:

بعد كل ما ذكر عن الفن الإسلامي و أهميته الكبيرة التي مازالت تظهر حتى وقتنا الحالي , يمكن أن أشير إلى العديد من الأفكار التي يمكن استخلاصها من البحث , وأولها أن الفن الإسلامي على اختلاف أنواعه و روافده وما طوره من الفنون التي اقتبسها من سابقه / واعني بذلك الفن البيزنطي و الساساني / قد استحق أن يكون فن مميز وذلك نتيجة لجهد أبناءه المسلمين الذين اشتغلوا فيه , ويتجلى ذلك في التطور الذي شهده الفن الإسلامي على أيدي الصناع و الحرفيين فلم يكن الفن الإسلامي هو تقليد لغيره من الفنون ؛ وإنما اخذ المسلمون أفكارهم الفنية من الفن البيزنطي و الساساني و غيره ثم طبعوها بالطابع الإسلامي , وذلك بما يتناسب مع العقيدة التي فرضها الدين الجديد لذلك فان الفن الإسلامي يعتبر مجال واسع رحب  عميق و متنوع للدراسات مما جعله مرجعا نعود إليه في عصرنا الحالي , وقد كان الفن الإسلامي فنا تم توظيفه ليلبي الحاجات الاجتماعية و الفنية و الجمالية و الذوقية لدى صانعيه , ويمكن أن أفسر ذلك بما يميز كل فترة من الفترات الإسلامية عن غيرها , حيث كان الفن الإسلامي في كل مرحلة يختلف عن المرحلة الأخرى وذلك تبعا للمتطلبات التي أملاها عصر معين ,  وكيف وظف أصحاب هذا العصر فنهم وذلك بحسب الهدف الذي تم توجيه الفن من اجل تلبيته , فإذا رأينا آنية خزفية على سبيل المثال مصور عليها الاحتفال بيوم عاشوراء لعرفنا أن هذه الآنية تعود إلى العصر الفاطمي أي أن الفاطميين قد استخدموا الفن في تلبية متطلبات دينية , هذا وقد أولى المسلمون الفن أهمية كبيرة حتى أصبح كهوية تدل على عصر معين وعلى الرغم من الالتزام الذي اتصف فيه الفن الإسلامي وما وضعه من حدود و شروط , إلا انه يمكن القول أن الفن الإسلامي كان مبدعا فلم يكن هذا الالتزام عبئا على الفن الإسلامي ولم يحد هذا الالتزام من جمالية الفن الإسلامي وبرأيي فان التزام الفن الإسلامي بالعقيدة و القواعد الدينية قد جعل منه فنا مناسبا لجميع الأذواق وجعل من الممكن استخدامه في جميع المراحل و العصور حتى أيامنا هذه أو انه استخدم كارضا بكرا لفنون أخرى وخاصة الفنون الغربية مع إضافة أفكار جديدة و متطورة تناسب الفن الجديد الآخر  وهذا ما جعل الفن الإسلامي يصل إلى أقصى درجات التطور و الازدهار بحيث لا يوجد حضارة أبدعت في الفنون كما أبدعت الحضارة الإسلامية وهذا ما جعل للفن الإسلامي شان كبير و دور مؤثر في قيام الحضارات الحديثة ولنأخذ مثال عن ذلك بما يتعلق بالخط .

فمن المعروف أن احد أسس قيام الفن الإسلامي استخدام الخط كنوع من الزخارف حيث وصل المسلمون إلى درجة كبيرة من الإبداع و الجمالية في استخدام الخطوط على اختلاف أنواعها ومازالت هذه الخطوط بنكهتها الإسلامية مستخدمة إلى الآن في عصرنا الحديث ونراها تزين اللوحات و اللافتات و الأبنية , أما فيما يتعلق بالتراث فان التراث الإسلامي هو تعبير صادق عن اثر التوجيه الإسلامي وفضله في بناء الفكر و الحضارة الإسلامية بالإضافة إلى دوره البناء في نهضة الفكر و الحضارة الإنسانية بصفة عامة .

 

وكما يقال : من ليس له ماضي لا يمكن أن يكون له مستقبل , وعليه فان التراث الإسلامي و لا سيما الفني شكل كنزا دفينا استفاد منه الإنسان المعاصر في تطوير أفكار هامة ساهمت في النهضة الفكرية التي تم الوصول إليها في العصور الحديثة , وهذا ما تجلى في بحثنا عندما تحدثنا عن الفن  وكيف كان في العصور الإسلامية  وما قدمه المسلمون من جهود في ما وصل إليه الفن من تطور , وكيف تم اقتباس الأفكار من هذا الفن العظيم وإعادة إحياؤها بما يواكب عجلة التطور التي تسير قدما في العصور الحديثة .

ويمكن أن اعتبر دراسة الفن الإسلامي كتراث لها أهمية كبيرة وذلك بسبب الدور المهم الذي لعبه الفن الإسلامي في بناء المجتمع و الإنسان في العصر الحديث و ما له من فضل في نهضة المجتمع وتطوره من ناحية فنية ومعمارية خصوصا وناحية اجتماعية عموما كما رأينا في البحث

فمن يوجد أكثر إبداعا من المسلمين في استخدام الزخارف وخاصة الهندسية و التي مازالت تظهر حتى يومنا هذا ؟ وكم بذل المسلمون من جهد في تطوير الصناعات و الحرف المختلفة من صناعة نسيج و فسيفساء و خزف ومعادن و مجوهرات وموزاييك و غيرها حتى أصبحت هذه الصناعات من افخر و أجود أنواع الصناعات على مر العصور ؟ وهل يمكن أن نتصور عمارة قديمة أفخم من تلك العمائر التي ظهرت في العصر الإسلامي لا سيما في العصر المملوكي ؟ هذا ما جعل هذه العمائر الإسلامية تستخدم حتى الآن في استلهام المخططات المعمارية للأبنية الحديثة كما رأينا في مثالي عن أبراج  ماليزيا ومسجد دلهي في الهند , وبذلك يمكن القول أن كل ما نشاهده حاليا من أعمال فنية متطورة وجميلة قد خرجت من صلب التراث الفني الإسلامي ولكن مع الإشارة إلى أن الفنان الحديث عندما استقدم الأفكار الفنية من العصر الإسلامي لم يأخذ هذه الأفكار كما كانت تماما في العصر الإسلامي كتقنيات التصنيع أو الزخارف , وإنما قام بتطوير هذه الأفكار وذلك تبعا لمتطلبات العصر الحديث وما حملته التكنولوجيا الحديثة من أفكار جديدة و متجددة يمكن أن تسهم بشكل كبير في الوصول إلى درجة أعلى من الإبداع وذلك عن طريق استخدام الوسائل و التقنيات الحديثة في صناعة الأواني أو الرسومات و غيرها
 لكن ذلك لا يعني أن أصل الفكرة /مهما كانت متطورة و متقدمة / تعود إلى أصول  إسلامية وفنانين مسلمين مبدعين هم من قاموا بابتكارها , حيث نرى حاليا في العديد من البيوت الشامية أثاث خشبي مزخرف ومزين بأشكال متقنة ومبدعة وجميع هذه الأشكال كما ذكرت في البحث تم ابتكارها في العصور الإسلامية , إلا أن الفنان الحديث قام بتحديث هذه الزخارف وزين فيها أثاث البيت الدمشقي حتى وصل إلى أقصى درجة من الجمال و الإبداع و البراعة في تنفيذ هذه الزخارف , ولا بد أن الأدوات و التقنيات الحديثة والتي ربما لم تكن موجودة في العصور الإسلامية قد ساعدت الفنان الحديث على ذلك .

اذا فكل ما سبق جعل الفن الإسلامي يشكل تراثا غنيا يستحق الدراسة منذ بداية تكوينه وتبلور جذوره حتى مرحلة النضوج و الاكتمال , ولا أنسى أن أشير إلى الفنانين المسلمين الذين اختطت أيديهم هذه الفنون الجميلة حيث كان لهم الفن الأكبر في تطوير الأساليب المعمارية و الفنية وقد ساعدهم على ذلك كثرة التنقل من مكان إلى آخر نتيجة الظروف الاقتصادية أو السياسية مما جعل الفنان المسلم يمتلك قدرا كبيرا من المعرفة و الخبرات و الأفكار التي استطاع أن يعبر عنها في فنه وهذا ما يدلنا على مدى عبقرية وذكاء الفنان المسلم في تنفيذ أعماله الفنية حتى بقيت هذه الأعمال خالدة و مؤثرة في يومنا هذا وذلك بما حوته من طرز جميلة و رائعة يعتز بها مؤرخو الفن و العمارة في العالم غربا و شرقا .

ومازال العصر الحديث كما ذكرت سابقا يشهد عملية إحياء لتراث الفن الإسلامي في مختلف أنحاء العالم , وعلى سبيل المثال ما نراه في الفسيفساء حيث تطورت الفسيفساء في العصر الإسلامي مثل فسيفساء الجامع الأموي – فسيفساء قصر عمرة و الحير الغربي و غيره , وما زالت الفسيفساء بأساليبها التي ابتكرت في العصر الإسلامي مستخدمة حتى الآن لا سيما في رصف الجدران و الأرضيات و المسابح , ومن ينظر حاليا إلى واجهة مكتبة مكسيكو في المكسيك يشاهد لوحة فسيفسائية تعود إلى الفنان غورمان ويظهر في هذه اللوحة الأثر الإسلامي واضحا في الأسلوب و المشاهد و الألوان , وهذه اللوحة تحكي قصة تطور الإنسان منذ عصر الازتك حتى العصر الحديث الحالي .

وأخيرا فان عظمة الفن الإسلامي قد جعلت منه جزء من التراث الإسلامي ويتوجب على الجميع المحافظة على هذا التراث و العمل على الاهتمام به , ويجب علينا دائما أن نعود إلى كل ما هو موجود في الماضي لاستقدام أفكار منه , وجعل التراث هو الحجر الأساس لقيام مجتمع متطور و متجدد باستمرار وذلك بما نستوحيه من التراث الإسلامي لا سيما في المجال الفني وذلك لدفع عجلة الفن إلى مزيد من التطور و الازدهار .  

 وهكذا نجد أن الحضارة العربية الإسلامية قد ورثت مخلفات وتركات الحضارات السابقة في مجال العلوم و التقانات و الإبداع الفني , وعملت على تطوير تلك المكتسبات و إعادة صياغتها و قولبتها وفق مفاهيم الحضارة الإسلامية الجديدة و معتقداتها , وكان الفن إحدى هذه الميادين التي نالت نصيبا كبيرا من اهتمام المسلمين , فقد حرص المسلمون على الاهتمام بالفنون منذ عصرهم الأول وكأنهم أرادوا لهذا الفن أن يصبح في المستقبل مصدرا ليخلد الحضارة الإسلامية , وقد استحقت هذه الفنون أن تصنف بين الفنون العالمية وان تنتشر في مختلف أنحاء العالم 

 اذا كل ذلك يدل على أن الفن الإسلامي قد شكل تراثا عظيما كان له الفضل الأكبر في ما وصلت إليه البشرية في العصور الحديثة من تطور كما رأينا في البحث , ومازالت الأفكار الفنية الإسلامية سائدة في مختلف الميادين الفنية , وهذا ما يدل على تطور الأفكار التي كانت سائدة في العصر الإسلامي حتى أنها بقيت صالحة و مستخدمة إلى يومنا هذا , أي  أن الفن الإسلامي قد اخذ أول الأمر عن الحضارة الهلنستية التي كانت سائدة قبل الإسلام , ثم ما لبث الإسلام أن طور هذه الأفكار بشكل يأخذ الطابع الخاص الذي يعكس جوهر الفن الإسلامي , وبعد ذلك أتيح للحضارة الإسلامية أن تؤدي ما عليها من دين للحضارات التي سبقتها فأثرت الأساليب الفنية الإسلامية في العصور الوسطى , فتأثروا بالزخارف و الفنون ليعود فضل الحضارة الإسلامية ليظهر مجددا في عصرنا الحالي عن طريق الإحياء الدائم و المستمر لتراث الفن الإسلامي الذي كان بمثابة كنز مقاوم للفناء وذلك بما حواه من إبداعات فنية و ذوقية راقية ناسبت كافة العصور و الأذواق حتى العصر الحديث الحالي .

قائمة المراجع

1-    البهنسي , عفيف : تاريخ الفن و العمارة منذ البداية حتى عصر النهضة , دار الشرق للطباعة , 2004م

2-    البهنسي , عفيف : اثر العرب في الفن الحديث , المجلس الأعلى لرعاية الفنون و الآداب الاجتماعية , دمشق , 1970 .

3-    فؤاد أبو حجلة , ليلى : تاريخ الفن النشوء و التطور , مكتبة المجتمع العربي للنشر و التوزيع , عمان ,

الطبعة الأولى , 2011م .

4-    فياض الفياض , محمد – هاشم حمود , ماجد : الحرف التقليدية في سوريا , ترجمة مجد حمود , دار الهدى للنشر , الطبعة الأولى , 2011م .

5-    الخطيب , أميرة : موسوعة فن الرسم على الزجاج و التطريز و الخزف و الزخرفة , دار أسامة للنشر , عمان , 2000م .

6-    الشامي , احمد :الفن الإسلامي التزام و إبداع , دار القلم للنشر , دمشق , 1990م .

7-    شاخت , جوزيف – بوزورث , كليفورد : تراث الإسلام , ترجمة حسين مؤنس وآخرين , الكويت , الجزء الأول , 1998م .

8-    محمد حسن، زكي : في الفنون الإسلامية , دار الرائد العربي , بيروت و 1981م .

9-   محمد حسن , زكي : الفنون الإسلامية , دار الرائد العربي و بيروت , 1948م .

10- ديماند , م .س : الفنون الإسلامية و ترجمة محمد احمد عيسى , دار المعارف للنشر , 1947م.

11-محمد سليمان , حسين : التراث العربي الإسلامي دراسة تاريخية و مقارنة , دار الشعب للطباعة , القاهرة , 1987م .

12- سالم قدور , محمد : عالم المشرق فن و ثقافة الإسلام , منشورات المديرية العامة للآثار و المتاحف ,وزارة الثقافة , دمشق , 2009م .

13-           A Hewitt, MARK : Cesar  Pelli , Microsoft  Encarta 2009 DVD 

Redmond WA  : Microsoft  corporations , 2008                                     

 

إعداد: شيرين نداف